الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

61

نفحات القرآن

السريعة . فمن الممكن أن تكون هذه الحركة بياناً لتلك الحركة السريعة نحو مركز الكون التي تحدث عند انقباض أجزاء عالم المادّة كما أشرنا إليها في الصفحات السابقة ، ومن الممكن أيضاً أن تكون بياناً لحركة العالم المستديرة في مسير انبساط وانقباض المجموعة الكونية . وقال الفخر الرازي خلال تعليقه على هذه الآية : وقوله « وتسير الجبال » يُحتمل أن يكون بياناً لكيفيّة مور السماء ، وذلك لأنّ الجبال إذا سارت وسير معها سكّانها يظهر أنّ السماء كالسيّارة إلى خلاف تلك الجهة كما يشاهده راكب السفينة ، فانّه يرى الجبل الساكن متحرّكاً « 1 » . مفهوم هذا الكلام هو أنّ السماوات ثابتة في الحقيقة ولكنّها تبدو للانظار متحركة ، لكن هذا على خلاف ظاهر الآية . 28 - يوم تشقَّقُ السماءُ بالغمام 29 - يوم تشققُ الأرض عنهم سراعاً هذان التعبيران عن يوم القيامة متشابهان في أحد أبعادهما . ففي الآية الأولى قال تعالى : « وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمَامِ » . ( الفرقان / 25 ) وفي الآية الثانية قال تعالى : « يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً » . ( ق / 44 ) إنّ انشقاق الأرض من فوق الناس له مفهوم واضح وهو بيان لزلزال القيامة الذي يشق القبور ويحيى الناس بأمر اللَّه ويخرجون بسرعة للحساب والجزاء . أمّا تمزق السماوات بالغمام فيمكن أن يكون بياناً للانفجارات الهائلة التي تحدث في الأجرام السماوية عند فناء الكون وأنّ الغمام الحاصل من هذه الانفجارات يملأ السماء ( هذا على أنّ « الباء » في « بالغمام » باء الملابسة أي يلابس ويصطحب مع الغمام ) . أو أنّ السماوات أي « الأجرام السماوية » تتمزق بتأثير الغيوم التي تحمل أمواجاً قوية هائلة حاصلة من الانفجارات النووية أو غيرها ( وفي هذه الحالة تكون الباء سببية ) « 2 » - « 3 » .

--> ( 1 ) تفسير الكبير ، ج 28 ، ص 243 . ( 2 ) قال بعض المفسرين إنّ « الباء » بمعنى « عن » فيكون المعنى هو أن تتمزق وتتنحى عن واجهة السماء لكن هذا المعنى بعيد جدّاً . ( 3 ) « الغمام » من مادة « غم » بمعنى الحجب ، ومن حيث إنّ الغيوم تحجب السماء فإنّهم أطلقوا عليها « الغمام » ومن حيث إنّ الهم والحزن يملًا قلب الإنسان فإنّهم أطلقوا على ذلك الغم .